هشام جعيط

27

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

استقلاله كبيرا بالنسبة للسلطة في المدينة . أما الآخرون فإن السلطة هي التي استحثتهم على التنقل والواقع أن منهم عشائر وقادة تورطوا في حروب الردة ، منهم عامر بن ربعي ، وعدي بن حاتم . وبما أن سيف بن عمر انفرد بذكرهم ، يمكن القول انه سبق الأحداث ، ويمكن التفكير كذلك أن عمر بتوجيهه هذه الفرق الصغيرة ، أراد اختبار صلاح أهل الردة . إن روايات سيف جيدة بصورة عامة ، فيما يخص القبائل وتركيب الجيش العربي ، وترتيب وصول الجيش وعدد المقاتلين « 1 » ، في حين أنها تخطىء في خصوص ضبط التواريخ . فما قولنا في كل ذلك سوى أن عمر قرر على الأرجح منذ مطلع سنة 14 ه ، وربما حتى منذ أواخر سنة 13 ، الشروع في مسيرة القبائل الطويلة ، بهدف فتح العراق فتحا حقيقيا « 2 » ، دون أن يترقب نتائج العملية الدائرة في الشام ؟ ومن هذه الوجهة تمثل هجرة بجيلة ، ورحيل ضبة وخثعم وغيرهما ، التي تمت عن طواعية ، توطئة لما سيجدّ على صعيد أوسع بمشاركة سعد ، كما تمثل البويب معركة تدريبية تعد العدة لمعركة القادسية . كان ينبغي الانتصار لا محالة في البويب ، بلوغا لهذا المطلب . سمي هذا الصدام بيوم مهران أيضا « 3 » على اسم القائد الفارسي المهزوم والمقتول ، عند موقع الكوفة العتيدة ، فيما بين خطة السكون والفرات أو دار الرزق - وبني سليم « 4 » ، حيث كان البويب بمثابة المصب العتيق للفرات « 5 » . ودارت المعركة وراء الفرات ، على مدى المجال الذي ستحتله مدينة الكوفة . المؤكد أن الرهان كان مهما . قد يتسبب انتصار للفرس بالبويب في دحر العرب ، كما أن انتصارا للعرب قد يجبر الفرس فعلا على خوض المجابهة النهائية لإنقاذ العراق والإمبراطورية كافة أو التخلي عنهما . لا شك أن الفرس شعروا عند انهزامهم بالبويب ، بواقع الخطر العربي عند فوات الأوان ، أما العرب ، فقد استمدوا من نصرهم جسارة لا تقهر . بقي أن نتحدث الآن عن مشكل تأريخ الأحداث .

--> ( 1 ) معلوماته من الدقة والتماسك في هذا الموضوع بما يمنع التشكيك فيها بجملتها وقد استخدم الطبري كتاب الفتوح الكبير : راجع الفهرست ، طبعة بيروت ، ص 94 . أما عن الفتوحات فيراجع هيل ، Hill Termination of Hostilities . . . ، الذي استعرض ستا وثلاثين رواية كان أوردها سيف . ولنضف بخصوص فتح العراق ، أن الاسنادات المتواترة تعود إلى مجالد والشعبي ومحمد وطلحة . ( 2 ) نتفق كل الاتفاق في هذا الأمر مع السيدة فيشيا فاغلييري : Mme . Veccia - Vaglieri , E . 1 / 2 Sub Verbo Kadisiyya ، ومن المفارقة أن سيفا أورد التاريخ نفسه : الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 478 . ( 3 ) كان مهران أحد رؤساء العشائر السبع ، راجع : Christensen , L'Iran sous les Sassanides . Copenhague , . 1936 , p . 99 ( 4 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 468 . ( 5 ) « كان مغيضا للفرات في عصر الأكاسرة يصب في الجوف » ، حسب عبارة البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 254 ؛ وفي معجم البلدان ، لياقوت ، ج 1 ، ص 512 ، تفاصيل أخرى .